ساسي سالم الحاج

31

نقد الخطاب الاستشراقي

الاستعانة بالأدلاء والمرور بأراض موحشة قابلة لتجمع قطّاع الطرق ومهاجمة هذه القوافل ، فاضطر التجار إلى عقد صلات بين القبائل التي تمر هذه الطرق من خلالها لحمايتها من أي اعتداءات متوقعة عليها . أما بالنسبة إلى التجارة البحرية فلم يشتهر عن العرب مزاولتهم لها لخوفهم من البحر ، ولعدم توافر الوسائل المادية لعبوره عندهم ، ومما يدل على ذلك تهيب الخليفة عمر ركوب البحر ، ووصاية قواده بعدم ارتياده أو التوغل في لجاته . ولكن لم يمنع ذلك من استخدام الخليج العربي والبحر الأحمر للتجارة عن طريق تشييد سفن بدائية كانت تنطلق من موانئ معينة في هذين الإقليمين وربطها لهذه الأجزاء بأقطار أخرى في إفريقيا وفارس ومصر بل وقد وصلت هذه السفن إلى سواحل الهند وجزائر جنوب شرق آسيا . وهذا النشاط البحري كانت تزاوله الأقطار القاطنة قرب البحر كما هو الحال في جنوب الجزيرة العربية . كما تزاوله السفن البيزنطية والفارسية والحبشية . أما سكان الجزيرة العربية الأقحاح فإنهم كانوا يخشون البحر خشيتهم من النار لبعدهم عنه ، ولسلوكهم طرق قوافل برية معروفة ومضمونة عوضتهم عن ارتياده . إن المعلومات الموجزة التي أتينا على ذكرها تبين لنا أن الحالة الاقتصادية للجزيرة العربية لم تكن بذلك السوء الذي يصوره لنا المستشرقون . فقد كانت هناك زراعة تفي بمعيشة السكان . وكانت هناك مراع ملائمة لتربية الإبل والأغنام والخيل . وكانت هناك مراكز تجارية هامة ترتاد العالم القديم من شماله إلى جنوبه مما أسبغ نوعا من حياة الرفاهية في هذه المراكز خاصة مكة والمدينة . نعم ، إن الحياة الاقتصادية للجزيرة العربية لم تكن بتلك الخصوبة التي كانت عليها مناطق الهلال الخصيب أو مصر أو شمال إفريقيا . ولكنها لم تكن بذلك السوء الذي دفع بالعرب إلى الانسياب منها إلى الأقطار المجاورة لاحتلالها تحقيقا لدوافع اقتصادية محددة ، إذ لو كان الأمر كذلك لقام به هؤلاء الأقوام قبل انبلاج الدعوة الإسلامية ، وليس هناك ما يمنعهم من ذلك لو كان هذا الدافع وحده كافيا لتفسير نشأة هذه الدعوة وانتشارها في الآفاق . ولكن هناك عوامل أخرى عديدة ساعدت على قيامها ولم تكن الدوافع الاقتصادية ذات بال بينها . ومن هنا كان تركيز المستشرقين على العوامل الاقتصادية لظهورها مما يعتبر نوعا من الاستقراء لا يفسر هذه الظاهرة حقّ تفسيرها ، ولا يعطيها من العلل والأسباب التي أدت إلى النتائج التي أسفرت عنها . وعلينا بالتالي دراسة عوامل أخرى حاول المستشرقون التركيز عليها لتأصيل الدعوة